فخر الدين الرازي

188

تفسير الرازي

يقولون . قال مجاهد الآية نزلت في قريظة والنضير . وورودها فيهم لا يمنع من إجرائها على ظاهر عمومها . والله أعلم . * ( وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الاَْرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) * . اعلم أنه تعالى لما أمر في الآية المتقدمة بالصلح ، ذكر في هذه الآية حكماً من أحكام الصلح وهو أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة ، وجب قبول ذلك الصلح ، لأن الحكم يبنى على الظاهر لأن الصلح لا يكون أقوى حالاً من الإيمان ، فلما بنينا أمر الإيمان عن الظاهر لا على الباطن ، فههنا أولى ولذلك قال : * ( وإن يريدوا ) * المراد من تقدم ذكره في قوله : * ( وإن جنحوا للسلم ) * . فإن قيل : أليس قال : * ( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم ) * أي أظهر نقض ذلك العهد ، وهذا يناقض ما ذكره في هذه الآية ؟ قلنا : قوله : * ( وإما تخافن من قوم خيانة ) * محمول على ما إذا تأكد ذلك الخوف بأمارات قوية دالة عليها ، وتحمل هذه المخادعة على ما إذا حصل في قلوبهم نوع نفاق وتزوير ، إلا أنه لم تظهر أمارات تدل على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة ، بل كان الظاهر من أحوالهم الثبات على المسألة وترك المنازعة ، ثم إنه تعالى لما ذكر ذلك . قال : * ( فإن حسبك الله ) * أي فالله يكفيك ، وهو حسبك وسواء قولك هذا يكفيني ، وهذا حسبي . هو الذي أيدك بنصره . قال المفسرون : يرد قواك وأعانك بنصره يوم بدر ، وأقول هذا التقييد خطأ لأن أمر النبي عليه السلام من أول حياته إلى آخر وقت وفاته ، ساعة فساعة . كان أمراً إلهياً وتدبيراً علوياً ، وما كان لكسب الخلق فيه مدخل ، ثم قال : * ( وبالمؤمنين ) * قال ابن عباس : يعني الأنصار . فإن قيل : لما قال : * ( هو الذي أيدك بنصره ) * فأي حاجة مع نصره إلى المؤمنين ، حتى قال : * ( وبالمؤمنين ) * .